Actualité

رحيل الشاعر العراقي صادق الصائغ في لندن بعد مسيرة حافلة بين الشعر والفن

توفي صادق الصائغ عن عمر ناهز التسعين عاماً في لندن، مخلفاً إرثاً من القصائد السريالية واللوحات والخطوط التي جسدت اغترابه وحبه لبغداد.

4 دقيقة
رحيل الشاعر العراقي صادق الصائغ في لندن بعد مسيرة حافلة بين الشعر والفن
توفي صادق الصائغ عن عمر ناهز التسعين عاماً في لندن، مخلفاً إرثاً من القصائد السريالية واللوحات والخطوط التي جسدت اغترابهCredit · الشرق الأوسط

الحقائق

  • توفي الشاعر والفنان العراقي صادق الصائغ مساء الجمعة في لندن عن عمر ناهز 90 عاماً.
  • ولد الصائغ عام 1936 (أو 1947 بحسب بعض المصادر) ودرس الفقه والتاريخ والأدب العربي.
  • أصدر ديوانه الأول 'نشيد الكركدن' عام 1978، وهو من أبرز أعماله الشعرية.
  • غادر العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا وعاد عام 1967، ثم هاجر مجدداً عام 1979.
  • شارك في تأسيس 'رابطة الكتّاب والصحفيين والفنانين العراقيين' في بيروت وتولى سكرتارية تحرير مجلة 'البديل'.
  • عُين مستشاراً لوزارة الثقافة العراقية بعد أبريل 2003.
  • نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتاب والوسط الثقافي العراقي.
  • من أبرز قصائده 'هنا بغداد' التي تعكس علاقته المعقدة بالمدينة.

وداع شاعر السريالية في منفاه الأخير

فقدت الساحة الثقافية العراقية والعربية أحد أبرز رموزها، الشاعر والفنان صادق الصائغ، الذي وافته المنية مساء الجمعة في لندن بعد صراع مع المرض. رحل الصائغ بعيداً عن بغداد، في مغتربه الأخير، حيث كانت المسافة بين وطن صاخب ومنفى ساكن أكبر من أن تختصرها تذكرة طيران. نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، إلى جانب الوسط الثقافي عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وصفه الناقد ياس البياتي قائلاً: 'الشعر عند صادق الصائغ علاقة أخلاقية قبل أن يكون إنجازاً فنياً'. أما صديقه رواء الجصاني فرثاه بالقول: 'هو الخارج عن حاجات التعريف التقليدي، عقب ذيوع صيته عراقياً وعربياً منذ أكثر من ستين عاماً، وما برح'.

مسيرة شعرية بدأت في الستينيات

بدأت تجربة الصائغ الشعرية في مناخ الخمسينيات والستينيات في العراق، عبر قصائد متفرقة كتبها بين عامي 1966 و1968، قبل أن يصدر ديوانه الأول 'نشيد الكركدن' عام 1978 عن دار 'الأديب' البغدادية. ظل هذا الديوان الأكثر حضوراً نقدياً في مسيرته، وقد صمم غلافه الفنان رافع الناصري، وزينته رسوم الفنان كاظم حيدر. من مجموعاته الأخرى: 'وطن للروح'، و'حيث هو القلب'، و'أنا التراب'، و'حجر يبكي'، و'قصائد الحب'، و'قصائد الوحدة'. في مقدمة 'نشيد الكركدن'، وصفه الأديب والمترجم نجيب المانع بأنه 'شاعر يمشي شعراً، ويلمس فنجان القهوة بشاعرية'، واعتبره نقاد من أوائل الشعراء الذين أدخلوا غرابة الصورة الشعرية والمناخات السريالية إلى القصيدة العربية.

بين براغ وبيروت ولندن: محطات المنفى

غادر الصائغ العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال دراسته، وعاد إلى بغداد عام 1967. لكنه اضطر مجدداً للهجرة عام 1979 مع اشتداد حملة القمع البعثي، حاله حال مئات المثقفين العراقيين. عاش في بيروت لفترة طويلة، حيث شارك في تأسيس 'رابطة الكتّاب والصحفيين والفنانين العراقيين' وأصبح سكرتير تحرير مجلة 'البديل' التي أصدرتها الرابطة. انتقل بعد ذلك إلى براغ، ثم استقر أخيراً وعائلته في لندن. في حواراته، وصف الصائغ براغ بأنها محطة حاسمة في تكوينه الشخصي والثقافي. لكنه ظل متعلقاً ببغداد؛ إذ قال لصديقه الشاعر زهير الجزائري وهو يقف على نهر فلتافا: 'هل تصدق يا زهير، أحب هذا المشهد لأنه يذكرني ببغداد؟' وأضاف: 'أحب حتى مزابلها'.

فنان متعدد المواهب: من المسرح إلى الخط العربي

لم تقتصر تجربة الصائغ على الشعر، بل امتدت إلى المسرح والسينما والصحافة والخط العربي. في المسرح، قدم مسرحية 'البيك والسائق' عن نص لبرتولد بريخت، بإخراج إبراهيم جلال، وحازت الجائزة الأولى في مهرجان دمشق المسرحي عام 1973. وفي السينما، أعد سيناريو فيلم 'المنعطف' المأخوذ عن رواية لغائب طعمة فرمان. عمل في الصحافة والتلفزيون، واشتغل في التصميم الصحافي في جريدة 'البلاد' ثم مجلة 'ألف باء'. اعتبره مجايلوه من مجددي الخط العربي، وأقام معارض تشكيلية في لندن وعواصم أخرى. كما كتب للأطفال في الأعداد الأولى لمجلة 'مجلتي'.

العودة إلى بغداد بعد 2003: حلم تحطمه الحرب الأهلية

بعد عام 2003، عاد الصائغ إلى بغداد مثل كثير من المثقفين العراقيين الحالمين، ليبحث عن نبض قديم. لكن المدينة كانت لاهية ومكلومة بقلبها العليل، بعد أن أوجعتها ضربات 'البساطيل' المحلية. عُين مستشاراً لوزارة الثقافة بعد أبريل 2003، وشهد عن كثب حرب الطوائف والحرب الأهلية التي اجتاحت بغداد من شارع حيفا إلى أقصى الأحياء الشرقية والغربية. انتهت التجربة الاستشارية مع انتهاء عمر الحكومة الأولى، وأصبح الصائغ زائراً يتردد على مدينته من عام إلى آخر، لم ينقطع عن العراق إلا حينما تعب قلبه في العامين الأخيرين. في معرض العراق الدولي للكتاب في بغداد عام 2024، كان آخر اللقاءات به، حيث تجمع حوله الأصدقاء والمحبون في أمسية وثقها المخرج السينمائي زياد تركي بكاميرته الشخصية.

هنا بغداد: قصيدة الخلود والصرخة تحت الأنقاض

تظل قصيدة 'هنا بغداد' الأكثر حضوراً في مسيرة الصائغ، حيث تشتبك فيها نبرة المنفي المحتج مع ابن الوطن المستكشف لمواطن العنف في المدينة. في مقطع منها ينتصر للتحدي الذي تظل المدينة محتفظة به: 'مدينة مصابة بأحلام الزمن القادم، جسمها ملتهب وحرارتها عالية، في أعماقها غضب وجوع وبكاء وصريف أسنان... في كل مرة يظن أنها انتهت، تطلق من أعماق الروح صرخة طويلة تسري في الأثير مثل موج متكسر: أموت أو لا أموت، أعيش أو لا أعيش، أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة'. تحمل القصيدة مزية الإفلات من زمن كتابتها، لتبقى متقدة مع كل قراءة جديدة. وقد وصفها النقاد بأنها تجمع بين النفس الملحمي والطابع التوثيقي، حيث يتتبع الشاعر بحنو أحوال الفقراء ويلاحق الأصوات تحت الأنقاض وفي الأزقة الضيقة.

إرث شاعر المدينة السريالي

ينتمي الصائغ إلى السياق الثقافي الذي تبلور في العراق مع جيل الستينيات، لكنه كان حريصاً على رفض اختزال ذلك الجيل في اسم أو مجموعة محددة، مؤكداً أن هذه المرحلة لا تزال بحاجة إلى مراجعة نقدية أكاديمية. غالباً ما تُستحضر تجربة ذلك الجيل عبر أسماء مثل فاضل العزاوي وسامي مهدي وسركون بولص وجان دمو. برحيل الصائغ، تفقد القصيدة السريالية أحد روادها، وتفقد بغداد صوتاً ظل يغنيها حتى في المنفى. كما قال صديقه زهير الجزائري: 'الوطن الذي يناجيه صادق في قصائده هو وطن مجرد، وطن للروح، أهرب منه ويهرب مني، هو وطن مستحيل أكثر منه ممكن'. لكن قصائده، وخاصة 'هنا بغداد'، تبقى شاهدة على أن المدينة، رغم كل شيء، تطلق صرخة طويلة تحت الأنقاض.

خلاصة

  • صادق الصائغ (1936-2026) شاعر وفنان عراقي رائد في السريالية، توفي في لندن.
  • أصدر ديوانه الأول 'نشيد الكركدن' عام 1978، وله مجموعات شعرية بارزة أخرى.
  • عاش في المنفى بين تشيكوسلوفاكيا وبيروت وبراغ ولندن، وعاد لبغداد بعد 2003.
  • كان متعدد المواهب: شاعر، رسام، خطاط، كاتب مسرحي، وصحفي.
  • قصيدته 'هنا بغداد' تجسد علاقته المعقدة بالمدينة وتحولت إلى أيقونة.
  • نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتاب والوسط الثقافي العراقي.
Galerie
رحيل الشاعر العراقي صادق الصائغ في لندن بعد مسيرة حافلة بين الشعر والفن — image 1رحيل الشاعر العراقي صادق الصائغ في لندن بعد مسيرة حافلة بين الشعر والفن — image 2رحيل الشاعر العراقي صادق الصائغ في لندن بعد مسيرة حافلة بين الشعر والفن — image 3رحيل الشاعر العراقي صادق الصائغ في لندن بعد مسيرة حافلة بين الشعر والفن — image 4
المزيد حول الموضوع